ابن عرفة
248
تفسير ابن عرفة
إن قلت : لم أفرد الضمير ، وقد وقع الخطاب أولا بالجمع في قوله تعالى : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ ، فالجواب : أنه لما كانت حالة العسر أقل من حالة اليسر ، أفرد الضمير إشعارا بالوحدة الدالة على القلة . قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ . كان بعضهم يقول : الظاهر أن الجواب : أعد اللّه لهم وقرره بأن الآية تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، والمناسب في التسلية تكرير الأشياء والمتسلي بها وإعداد العقاب أخص من العتو عن أمر اللّه ، فتعليق التسلية على الأخص أبلغ ، لان كل ما لزم الأخص لزم الأعم ، دون رده عليه بأن التسلية إنما تكون بأمر نزل جنسه لغير المخاطب ، وإما ذكر ما يحل من العذاب بقومه في الدن فيزيده غما وتأسفا وحزنا عليهم ، وإنما يتسلى بعتو مثالهم على كثير من الأنبياء ، فإن قلت : لم قرن الشدة بالجنان ، والنكرة بالعذاب ، فهلا قال : فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً ، قلت : الحساب ليس فيه ما ينكر والعذاب غير المعهود منكر . قوله تعالى : وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها . لأن الإنسان قد يذوق العذاب ثم يعقبه الخير والسلامة . قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ . ابن عطية : لا خلاف بين العلماء أن السماوات سبع ، لقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [ سورة نوح : 15 ] ، فسر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، أمرهن في حديث الإسراء حتى قال : " ثم صعدنا إلى السماء السابعة " ، وقال لسعد : " حكمت بحكم الملك من فوق سبع أرقعة " انتهى ، هذا ما يتم إلا على أصول الحكماء الفاسدة التي تخالف نحن فيها ، لأن كونها كذلك شدة ، إما للعقل أو للسمع ، فالعقل لا مدخل له في عددها ، وإن ادعوا إسناد ذلك إلى العادة ، فهي دعوى باطلة إذ لا يعلم ذلك بالعادة بوجه فلم يبق إلا السمع ، وهو مخالف لهم ومبني على أنها لا تقبل الخرق ، وأما عندنا فيصح قبولها للخرق ، كما نشاهده في جرم السمع وجرم الميناء تحرقه السفينة ، ويرجع كما كان ففي الممكن إن تلك الكواكب والشمس والقمر تحرقها كلها ، وتنتقل من سماء إلى سماء ، وإذا كان كذلك فيبطل استدلالهم على الطول ، وغير ذلك بالرصد ، ومذهب الحكماء أن السماوات كربطة البصلة ، واحدة فوق أخرى متلاصقة ، ومذهب أهل السنة أن بينها فضاء حاجزا ورده أن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام ، وبين كل سماءين خمسمائة عام ، لكنه لم يصح ، وأشار له الزمخشري في سورة النازعات ، وذكر الحكماء : أن الأفلاك تسعة منها